الفيض الكاشاني

202

أنوار الحكمة

ثمّ يعظّمون أمر الإخبار عن الحوادث الجزئيّة أكثر من الاطلاع على المعارف الحقيقيّة . وأمّا أولو الألباب : فافضل أجزاء النبوّة عندهم هو الضرب الأوّل ، ثمّ الثاني ، ثمّ الثالث ؛ ومجموع الأمور الثلاثة على الوجه المذكور يختصّ بالأنبياء عليهم السلام ، وكل جزء منها ربّما يوجد في الأولياء على وجه التابعيّة لهم . وكلّ من الأخيرين ينقسم إلى الخير والشرّ ، فإنّ ضربا من الإخبار ببعض المغيّبات الجزئيّة من الحوادث ربّما يوجد في أهل الكهانة والمستنطقين ، وكذا قوّة التأثير للنفس ، المتعدّي من النفوس الشريرة . [ بما ذا يتميّز النبيّ من المتنبّي ] فإن اشتبه الخيّر بالشّرير فليمتحن بالتمرّن على الصدق ، والوفاء بالعهد ، والاجتهاد في العبادة ، والورع عن المحارم ، وغوث الملهوف ونصرة المظلوم ، وإجابة المضطرّ ، وحبّ المساكين - إلى غير ذلك من صفات الملائكة المقرّبين ، فإنّ ظهور خرق العادة من مثله إنّما يكون لقربه من اللّه وملائكته وممّن اتّصف بضدّ تلك الصفات يكون لقربه من الشيطان وحزبه . [ درجات الناس في معرفة الأشياء ] وخوارق العادات إنّما هي للعوام البله ، كما أنّ العلم والحكمة للخواصّ ، وأمّا أهل الشغب والعناد من الناس فلا ينفعهم إلّا السيف . وإلى الثلاثة أشار اللّه - عزّ وجلّ - بقوله : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [ 57 / 25 ] فأسرار الكتاب والميزان - وهو البرهان العقلي بأقسامه - للخواصّ الذين لهم قريحة نافذة وفطنة قويّة ، وقد خلى باطنهم عن تقليد وتعصّب لمذهب موروث ومسموع ، فإنّهم يؤمنون للنبيّ بميزان العلم والمعرفة والحكمة على قرب ، ولا يحتاجون إلى خوارق العادات .